راودتني الكثير من الأفكار قبل الخوض في الحديث عن دعاوى التعويض التي تقام بمواجهة شركة التأمين..لكون هذا النوع من الدعاوى يمس آلام الناس وأضرارهم من ناحية كما يمس صناديق شركات التأمين من ناحية أخرى..
إلا أن الخصومة ومع أنها موجودة في الدعوى ، إلا أن شركة التأمين التي وجدت بحكم القانون من أجل التعويض يفترض ألا تمانع من صرف أي مبلغ عند استحقاقه للمتضرر أو تسوية أي حادث وفق الحدود المرسومة بموجب العقد أو بموجب النص التشريعي في حالات التأمين الإلزامي..
مع ذلك ، نجد الكثيرين من المتضررين يتابعون إقامة الدعوى القضائية رغم رفض التسوية الودية من جانب الشركة أو عدم قناعته بالمبلغ المقدر من قبل الشركة ، وهذا حق لكلِّ شخص يحفظه الدستور والقانون ، والطرفان يثقان بحكم القضاء العادل والنزيه..
هنا ومن خلال التجربة المتواضعة نجد حالات لم تنطبق على عقد التأمين الإلزامي وبالتالي توجب على المحكمة رد الدعوى ومنها :
- حالة عدم شمول عقد التأمين الإلزامي لمركبة لتاريخ الحادث :
لاحظنا وبعد صدور مرسوم إلغاء الترسيم على السيارات في سورية عدم التزام بعض مالكي المركبات بالتأمين على مركباتهم بشكل دوري وطوعي رغم أن قانون السير ألزم جميع مالكي المركبات بالتأمين الإلزامي على مركباتهم ، وبسبب ضرر لحق بالغير ناجم عن الحادث يلجأ الغير إلى مخاصمة شركة التأمين بدعوى التعويض استناداً إلى عقد تأمين منتهي الصلاحية ، إلا أنه وللأسف فإن الدعوى مستوجبة الرد لكون عقد التأمين المبرز منتهي ولم يقم المالك بإبرام عقد جديد..
- حالة عدم صحة الخصومة بمخاصمة شركة التأمين :
بعد اتفاق شركات التأمين في سورية على إنشاء تجمعات التأمين الإلزامي بإدارة الاتحاد السوري لشركات التأمين من اجل استصدار عقود التأمين الإلزامي على المركبات ، فقد أصبح الاتحاد يدير عملية الإصدار فقط دون أن يحل محل شركة التأمين في التعويض أو الضمان ، إلا أن أكثر من متضرر لجأ لإقامة الدعوى بمواجهة الاتحاد استناداً إلى عقد التأمين الإلزامي ، دون مخاصمة الشركة المعنية الضامنة على الرغم من أن عقد التأمين الإلزامي قد ذكر صراحة في متنه بأن الاتحاد هو الجهة المشرفة على تنظيم إصدار العقد ، وشركة التامين المذكورة بالعقد هي الضامنة للضرر الناجم عن العقد ، وبالتالي لا صحة لمخاصمة الاتحاد في الدعاوى التي تقام على شركات التأمين باعتبار أن الاتحاد ليس شركة تأمين إنما جهة مشرفة فقط .
3 – حالة عدم شمول عقد التأمين الإلزامي على المركبات للمالك والسائق :
من المعلوم بأن قانون السير النافذ حالياً ونظام التأمين الإلزامي الصادر وفقاً له قد حدد بشكل واضح الغير الذي لا يشمله عقد التأمين الإلزامي ، كل من هو خارج المركبة أو داخلها عدا المالك والسائق وجسم المركبة نفسها..
إلا انه ومع وضوح هذا النص ، نجد بعض المتضررين إذا كان مالكاً أو سائقاً يقيم الدعوى بطلب التعويض عن الأضرار اللاحقة بمركبته أو به إلا أن الدعوى مستوجبة الرد..
4_ حالة عدم اختصام المالك والسائق :
مع أن نظام التأمين الإلزامي قد نص بشكل واضح على ضرورة إدخال المالك والسائق كمدعى عليهما بالدعوى ، إلا أن الكثير من المتضررين يلجؤون لإقامة الدعاوى بمواجهة شركة التأمين دونما اختصام المالك والسائق ، وهذا ما يستدعي من المحكمة اتخاذ القرار بالرجوع عن الشروع وإدخال المالك والسائق أو رد الدعوى في بعض الأحيان كونهم متكافلين ومتضامنين بالمسؤولية مع شركة التأمين .
5_ حالة توافر القصد في الحادث :
لاحظنا أحياناً لجوء المتضرر بسبب ناجم عن توافر العمد جرم جزائي إلى إقامة الدعوى على جهة التأمين بطلب التعويض إلا أن المحكمة سوف ترد الدعوى بالضرورة لأن الضرر لم ينجم بسبب حادث سير ، والمثال على ذلك حالة مطاردة مركبة لشخص لسبب ما وصدمه بقصد قتله أو إيذائه ، ومحاولة المتضرر أو ذويه مراجعة القضاء واختصام شركة التأمين بطلب التعويض عن ضرر ناجم بسبب حادث سير..
وهذا يستدعي من المحكمة رد الدعوى لعدم انطباق شروط عقد التأمين على الحادث..
6_ حالة الإثراء غير المشروع على حساب شركة التأمين :
نجد في بعض الأحيان بعض المتضررين جراء حوادث السير ممن قبض تعويضه من شركة التأمين بطريق التسوية الودية وأسقط حقه بمواجهتها يلجأ إلى مخاصمة شركة التأمين بطلب التعويض إلا أن هذه الدعوى مستوجبة الرد لكونه لا يجوز قبض التعويض أكثر من مرة عن نفس الحادث..
إن الحالات المذكورة أعلاه هي غيض من فيض والأمثلة كثيرة لا تنتهي..
وللأمانة فإن كل دعوى مقامة بمواجهة التأمين تختلف عن الأخرى لأسباب كثيرة منها نعلقها بأطراف مختلفة وعقد تأمين مختلف واختلاف ظروف كلّ حادث والألم الناجم عنه سواء لجهة صحة الخصومة أو صحة العقد أو مدة العقد أو تاريخ الحادث أو انسجام ظروف الحادث مع الواقع أو لأمور لا يمكن حصرها لأن لكل قضية خصوصية وهوية وبصمة تختلف عن الأخرى..
بالنهاية ، كما أنّ لكلّ دعوى خصوصيتها ، إلا أنها تبقى مدرسة متبادلة لكلّ من المحامي والقاضي إذ في ملفها دفعات من الدفوع المختلفة وقناعات تتعزز لدى المحكمة..
أما بالنسبة لي فإنني أعتبر كلّ قضية تأمينية درستها وعملت فيها مدرسة تعلمت منها الكثير وقدمت فيها الكثير إذ تعاملت مع كلّ واحدة منها بخصوصية واحترام ومحبة..وقد تحقق لي في كلّ واحدة منها نجاح ما ولحدٍّ ما وقد استطعت بقدر الإمكان أن أساعد القضاء في تحقيق العدالة لكلّ من طرفي الدعوى سواء المحكوم له أوالمحكوم عليه ضمن معطيات وحدود عقد التأمين..
تلك هي المهمة الصعبة لمحامي التأمين بسبب الخصوصية والأهمية ، إذ أن هنالك ألم يلم بالمتضرر دفعه إلى إقامة الدعوى ، وفي نفس الوقت قد يكون هنالك فريسة أو مغنم في الدعوى بالنسبة لبعض المتقاضين ولا بد من إجراء التوازنات والحسابات في ذلك..
وللحديث بقية..