يسهم نشاط سوق التأمين، سواء بوصفه وسيطاً مالياً أو مورّداً لنقل أو تعويض المخاطر، في النمو الاقتصادي من خلال السماح بإدارة المخاطر المختلفة بشكل أكثر كفاءة، وتحفيز الادخار المحلي. وخلال العقد الماضي كان نموّ نشاط سوق التأمين أسرع، ولاسيّما في الأسواق الناشئة، في ضوء عملية تحرير التجارة والتكامل المالي، ما يثير التساؤلات حول تأثيره في النمو الاقتصادي. وتدرس هذه المادة ما إذا كانت هناك علاقة سببية بين نشاط سوق التأمين (التأمين على الحياة والتأمين على غير الحياة) والنمو الاقتصادي. وقد وجدنا أدلة قوية على وجود علاقة سببية بين نشاط سوق التأمين والنمو الاقتصادي. فالتأمين على الحياة والتأمين على غير الحياة لهما أثر إيجابي كبير في النمو الاقتصادي. وقد تصدرت نتائج البلدان ذات الدخل المرتفع في حالة التأمين على الحياة. ومن ناحية أخرى، تصدرت البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان النامية النتائج في حالة التأمين على غير الحياة.
1. مقدمة
قد يعزز نشاط سوق التأمين، سواء كوسيط مالي أو كمقدم لخدمات نقل وتعويض المخاطر، النمو الاقتصادي عن طريق السماح بإدارة المخاطر المختلفة بكفاءة أكبر، ما يشجّع على تراكم رأس المال الجديد، ومن خلال تحفيز الادخار المحلي نحو استثمارات منتجة. وفي هذا السياق، فإن الأدلة المذكورة أعلاه تثير التساؤلات بشأن الأثر الذي سيحدثه النمو الأسرع لنشاط التأمين على النمو الاقتصادي.
وحتى الآن، قيّم معظم الأعمال التطبيقية أثر القطاع المصرفي وتطوّر سوق الأوراق المالية على النمو الاقتصادي. ومع ذلك، ورغم الاعتراف بالمساهمة المحتملة لنشاط سوق التأمين على النمو الاقتصادي، فلم تتم دراسة احتمال وجود علاقة سببية بين نشاط سوق التأمين والنمو الاقتصادي على نطاق واسع كما هو شأن البنوك. وهذا يعكس توفر البيانات والسمعة الغامضة نسبياً لهذا القطاع في الأوساط الاقتصادية.
وفي هذا السياق، فإن الغرض من هذه الورقة هو تقديم تقييم منهجي للتأثير السببي لنشاط سوق التأمين في النمو الاقتصادي، مع الأخذ بالحسبان التأثيرات المختلفة للتأمين على الحياة والتأمين على غير الحياة نتيجة للمنافع المختلفة التي تقدمها إلى الأسر والشركات.
ومن بين النتائج الرئيسية توصّلنا إلى أدلة قوية عن وجود علاقة سببية بين نشاط سوق التأمين والنمو الاقتصادي. حيث تؤثر أقساط التأمين في الحياة وفي غير الحياة بشكل إيجابي كبير على النمو الاقتصادي. كما وجدنا دليلاً على أنّ التأمين على الحياة يؤثر في النمو الاقتصادي في البلدان ذات الدخل المرتفع فقط. من ناحية أخرى، فإن التأمين على غير الحياة يؤثر في البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان النامية (المتوسطة والمنخفضة الدخل) معاً. ومع ذلك، تشير النتائج إلى أنّ تأثير التأمين على غير الحياة في البلدان ذات الدخل المرتفع أكبر منه في البلدان النامية.
2. نشاط سوق التأمين والنمو الاقتصادي
أكدت مجموعة كبيرة من الكتابات النظرية على كيفية تأثير النظم المالية في قرارات الادخار، ومن ثم في معدلات النمو على المدى الطويل، وذلك من خلال الوظائف التالية:
(أ) خفض تكاليف البحث في الاستثمارات المحتملة،
(ب) تطبيق الإدارة الرشيدة للشركات،
(ج) تجارة وتنويع وإدارة المخاطر،
(د) تحفيز وتجميع الادخار،
(ه) إجراء عمليات تبادل السلع والخدمات،
(و) تخفيف الآثار السلبية التي يمكن أن تحدثها الصدمات العشوائية على استثمار رأس المال.
ويمكن لنشاط التأمين أن يسهم، سواء باعتباره مصدراً لنقل وتعويض المخاطر أو كمستثمر مؤسساتي، في النمو الاقتصادي بالطرق التالية:
(أ) تعزيز الاستقرار المالي،
(ب) تسهيل التبادل التجاري والتجارة (وهو أقدم نشاطات التأمين)،
(ج) تحفيز الادخار المحلي،
(د) السماح بإدارة المخاطر المختلفة بكفاءة أكبر وتشجيع تراكم رأس المال الجديد،
(هـ) التشجيع على زيادة كفاءة تخصيص رأس المال المحلي،
(و) المساعدة على الحدّ من/ أو التخفيف من حدّة الخسائر.
على المستوى التطبيقي، تبيّن معظم الأعمال التي تقيّم أثر القطاع المصرفي في النمو الاقتصادي أن تطوير القطاع المصرفي يسهم في تفسير النمو الاقتصادي
ومع ذلك، لم تتم دراسة تأثير نشاط سوق التأمين في النمو الاقتصادي بشكل واسع، كما دُرس دور القطاع المصرفي وسوق الأوراق المالية.
وفي هذا السياق، تكمن المهمة الرئيسية لمادتنا في تقييم ما إذا كان نشاط سوق التأمين يؤثر في النمو الاقتصادي، وتمييز الآثار الخاصة لنشاط التأمين على الحياة والتأمين على غير الحياة. ورغم الاعتراف عموماً بتأثير نشاط التأمين في النموّ الاقتصادي ليس فقط كمقدم للخطر والتعويض؛ ولكن أيضاً كمستثمر مؤسساتي من خلال تحفيز الادخار، فسوف نقوم بتقييم تأثير التأمين في النمو الاقتصادي فقط كمقدّم للخطر والتعويض نظراً لقلة البيانات، والتي سنوضحها فيما يلي:
لا يسهم نشاط سوق التأمين في تحقيق النمو الاقتصادي بحد ذاته فقط، وإنّما أيضاً من خلال تكامله مع القطاع المصرفي وسوق الأوراق المالية.
فمن ناحية أثره الموحَّد أولاً مع القطاع المصرفي، يمكن لنموّ نشاط التأمين أن يشجّع الاقتراض المصرفي عن طريق تخفيض تكلفة سوق رأس المال بالنسبة للشركات، والذي يؤثر في النموّ الاقتصادي من خلال زيادة الطلب على الخدمات المالية. ويمكن أيضاً للتأمين على الممتلكات أن يسهّل نشاط الوساطة المصرفية -على سبيل المثال- عن طريق الضمانات الائتمانية الجزئية، التي من شأنها الحدّ من تعرّض المصارف لمخاطر الائتمان المصرفي عبر تشجيع مستويات أعلى من الإقراض. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي نمو القطاع المصرفي إلى تسهيل نموّ نشاط التأمين من خلال نظام الدفع الأكثر فعالية بكثير والذي يسمح بتحسين خدمات الوساطة المالية.
وفيما يتعلق بأثره الموحّد ثانياً مع سوق الأوراق المالية، يمكن أن يؤدي نموّ نشاط التأمين، ولاسيما شركات التأمين على الحياة، إلى تعزيز نموّ سوق الأوراق المالية من خلال استثمار الأموال (المدخرات) الناتجة عن منتجات الادخار التعاقدية في الأسهم والأوراق المالية. وفي هذا السياق، تكمن المهمة الثانية لمادتنا في تقييم ما إذا كانت مقاييس نشاط سوق التأمين (على الحياة وعلى غير الحياة) مكملة أم لا لمقاييس القطاع المصرفي ونموّ سوق الأوراق المالية من أجل اختبار ما إذا كانت المصارف وأسواق البورصة وشركات التأمين تكمل كل منها الأخرى.