تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x
ثقافة تأمينية
المقاصة بين المخاطر

تفاصيل يجب أن لا تغيب عن المهتمين بالعمل التأميني ..
 إجراء المقاصة بين المخاطر
لا شك أن عملية المقاصة هي من أهم الأسس الفنية في عقد التأمين ولذلك سنتطرق للغاية من إجرائها (مطلب أول)، وشروط إجرائها (مطلب ثاني)، وأخيراً كيفية تحديد القسط تبعاً للخطر المؤمن منه (مطلب ثالث)، مع إدراجنا لنموذج التأمين على الحياة لأنه يتسم بالتعقيد حيث يدور على مجموعة من الاحتمالات بالنظر لأنواع التأمين الأخرى التي لا إشكال فيها من حيث عملية إجراء المقاصة.
 
الغاية من إجراء المقاصة بين المخاطر
أشرنا من قبل إلى أن التعاون أساس للتأمين وأن كل عملية تخلو من هذا التعاون لا تعد تأميناً وإن كان هدفها هو التحرز من المخاطر، ويساهم المؤمن لهم في هذا التعاون –سلباً- بدفع الأقساط المقررة وهنا ينتهي دورهم، وتبدأ مهمة المؤمن الإيجابية والتي تنحصر في إجراء المقاصة بين المخاطر المؤمن عنها.
وبفضل هذه المقاصة يتمكن المؤمن من التعهد بدفع عوض التأمين إلى المؤمن له الذي يتجاوز كثيراً ما يدفعه من أقساط، حيث يترتب على التأمين نقل عبء المخاطر نهائياً من عاتق المؤمن له الذي يضمن بمجرد دفعه القسط أنه سيحصل على العوض المشترط كله أو بعضه عند تحقق الحادث، غير أن عبء هذا الخطر لا ينتقل إلى المؤمن من حيث الظاهر فقط، فالعبء يقع في حقيقة الأمر وفي النهاية على الرصيد المشترط أي يترتب في النهاية إلى جماعة المؤمن لهم. [1]
"فالمؤمن لا يعتمد في الوفاء بتعهداته على رأسمال الشركة بل على هذا الرصيد بحيث يمكن أن يشبه الأول بالكفيل والثاني بالمدين الأصلي، مع انتفاء علاقة التضامن بينهما حتى لا يرجع على الكفيل إلا بعد تجريد المدين فلا يمس رأس المال إلا في حالات استثنائية، كأن يتحقق حادث هام في بدء عهد الشركة بمزاولة عملياتها، ولم يتجمع لديها بعد العدد الكافي من المؤمن لهم، أو أن تقع كارثة عامة يختل معها حساب الشركة فتتجاوز المخاطر المتحققة ما كان متوقعاً في الظروف العادية بحيث لا يفي الرصيد المشترك لمواجهة التعويضات المستحقة فلا يكون ثمة بد من تكملة النقص من رأس المال، فيما عدا هذه الحالات الاستثنائية يجب أن يجد المؤمن في رصيد الأقساط معيناً للتعويضات، وذلك يقتضيه العمل على أن يجمع لديه أكبر عدد ممكن من المخاطر حتى تفي الأقساط المتحصلة عن التأمين عليها بالتعويضات المستحقة عند تحقق بعضها، وإجراء المقاصة على هذا النحو بين التعويضات والأقساط ينفي عن التأمين شبهة المقامرة، ويخرجه من الناحية الفنية على الأقل من نطاق عقود الاحتمال، إذ أنه بدلاً من أن تتحكم فيه الصدفة يصبح هو المسيطر عليها فيحدد آثارها أو ينظم نتائجها"،
 [2] ولإجراء المقاصة بين المخاطر لا بد من توافر شرطين أساسيين وهما : كثرة المخاطر (أولاً)، وتجانس المخاطر (ثانياً).
 
أولاً : تجانس المخاطر
يلزم لتحقيق المقاصة بين المخاطر أن يكون هناك قدر من التعادل أو التشابه بين المخاطر أي تكون متكافئة بحيث يتحقق التعادل بينها، وهذا يقتضي تقسيم المخاطر إلى أنواع متعددة من حيث طبيعتها ثم تقسم بعد ذلك من حيث موضوعها وقيمتها ومدة التأمين عليها ويلزم للمؤمن أن يجمع في صعيد واحد المخاطر التي تعد من طبيعة واحدة، وأن يختار من بينها أكثرها ذيوعاً وأقلها وقوعاً فيتسنى له عندئذ تنمية رصيد الأقساط لكثرة الراغبين في التأمين توقياً للخطر ومواجهة أقل قدر ممكن من التعويضات وهذا هو مبدأ انتفاء المخاطر.
فالمؤمن يقسم المخاطر من حيث طبيعتها حيث يميز بين مخاطر الحريق والسرقة والوفاة وتفوق الماشية والحوادث والمسؤولية...إلخ، وهذه الأنوال متباينة في طبيعتها بحيث لا يتصور المقاصة إلا في نطاق ما تشابه منها، فلا يجوز للمؤمن مثلاً أن يجري مقاصة بين خطر حريق وخطر السرقة ولا خطر المسؤولية مع خطر الوفاة وهكذا.
كما يجب على المؤمن –عند إجراء هذه المقاصة- أن يميز بين المخاطر المتحدة في طبيعتها وفقاً لموضوعها أي وفقاً للشيء أو الشخص المؤمن عليه، فلا يجوز للمؤمن أن يجري المقاصة بين خطر حريق المنقولات وخطر حريق العقارات أيضاً في حالة التأمين من خطر حريق العقارات يجب التمييز وفقاً للمواد المبنى عليها العقار (طوب-أخشاب-حديد مثلا) ووفقاً للغرض المستغل فيه العقار (مسكن-مصنع مستودع لمواد ملتهبة...). [3]
كما لا يصح لمؤمن الجمع بين مخاطر الوفاة في التأمين على الحياة ونفس المخاطر في التأمين من الحوادث مع كون استحقاق التعويض في كليهما منوط بذات السبب وهو الوفاة وفي حالة التأمين على الحياة يجب التمييز بين المخاطر المختلفة كالتأمين حال الحياة والتأمين حال الوفاة والتأمين المختلط والتأمين التخييري.
كما يجب التمييز في نطاق التأمين لحالة الحياة بين المؤمن لهم بحسب المهنة والأعمال والأجناس وهكذا، فإذا تحدث المخاطر نوعاً وموضوعاً، فإنه يجب التمييز بعد ذلك تبعاً لقيمة المخاطر فلا تجري المقاصة إلا بين الأشياء المتقاربة في القيمة، فعدم التناسب في القيمة من شأنه أن يؤدي إلى اختلال التوازن بين الإيراد والمنصرف، فتحقق الخطر عالي القيمة يستنفذ جانباً كبيراً من رصيد التعويضات، فيختل بذلك حساب المؤمن وتضطرب نتائج الإحصاء، فإذا فرضنا أن متوسط قيمة المخاطر المؤمن عليها في التأمين من الحريق يتراوح بين عشرة ألاف وعشرين ألف درهم فإن قبول التأمين على عقار قيمته مائة ألف درهم في نفس الوقت يفسد عملية المقاصة عند تحقق هذا الخطر الذي يكاد يستنفذ رصيد التعويضات، فتبقى المخاطر الأخرى على كاهل المؤمن شخصياً، وهو ما يمكن تفاديه بانتفاء المخاطر المتقاربة فيكون منسوب الأقساط أعلى من منسوب التعويضات، على أنه لا يفهم من ذلك عدم قابلية المخاطر مرتفعة القيمة للتأمين إذ يندر أن يرفض المؤمنون التأمين على المخاطر مهما تجاوزت قيمتها المتوسط الذي يؤمنون في حدوده عادة ولكنهم يسعون في نفس الوقت إلى تفادي عدم التوازن الذي يحدثه التأمين على تلك المخاطر وذلك بالالتجاء إلى عملية إعادة التأمين فيما زاد عن التوسط المعتاد.
وهناك عامل آخر يساهم في تحقيق التناسق بين المخاطر وتسهيل المقاصة بينها حيث يجب ألا تجري المقاصة إلا بين المخاطر المؤمن عنها لمدد متقاربة وهذا العامل يعد من مستلزمات التأمين على الحياة حيث لا يتأتى الجمع بين التأمين لمدى الحياة والتأمين المؤقت، أو بين التأمين السنوي والتأمين   لعشرين أو ثلاثين سنة، ولذلك جرت عادة شركات التأمين على اشتراط حد أدنى لمدة التأمين من بعض المخاطر كعشر سنوات مثلا في التأمين من الحريق ذلك أنه كلما طالت مدة التأمين كلما زادت الفرصة أمام المؤمن لإجراء المقاصة بين المخاطر.
 
ثانيا : كثرة المخاطر
يلزم توافر عدد كبير من الحالات المعرضة لنفس المخطر حتى يمكن الموازنة بين الأقساط المدفوعة والتعويض الواجب دفعه عند تحقق الخطر، فالكثرة لازمة لاستنتاج معلومات دقيقة عن عدد الحوادث وقيمة الأضرار التي تسببها وتحديد احتمال درجة تحققها كل ذلك وفقا لقانون الأعداد الكثيرة وعوامل الإحصاء.
ويقصد بكثرة الخطر وقوعه بنسبة معينة أي أنه يهدد عدداً كبيراً من المؤمن لهم إلا أنه لا يقع نسبة لعدد قليل منهم، أما إذا كان الخطر يقع بكثرة في آن واحد كالحروب والزلازل فلا يمكن التأمين منه لصعوبة تغطيته مجموع الأقساط للتعويضات المطلوبة عند حلول الخطر، ولا يمكن التأمين كذلك على خطر نادر الوقوع لاستحالة استخلاص نتائج إحصائية عنه ومعرفة درجة احتمال وقوعه وقيمته لتحديد القسط الواجب دفعه.