تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x
ثقافة تأمينية
التحديات الرئيسية لسياسات تنظيم التأمين على الحياة وأنظمة التقاعد في الشرق الأوسط

كتب السيد سميح سعدالله جحا:

تضطلع هيئات الإشراف على التأمين في منطقة الشرق الأوسط بعدد من الأدوار والمهام التي تهدف إلى تحسين أداء السوق التأمينية واستمرارية تطورها. ويمكن تصنيف هذه المهام ضمن خمس فئات على النحو التالي:

توفير ومتابعة تراخيص مزاولة مهنة التأمين:

تقوم هيئات الإشراف بتصميم مبادئ وقواعد ومعايير دخول السوق التأمينية ومزاولة مهنة التأمين، عبر النظر في أهلية الطلبات التي يقدمها الراغبون في الاستثمار في سوق التأمين. ويشمل طلب الترخيص عادة دراسات الجدوى وخطط العمل والهيكلية الإدارية وغيرها من الدراسات اللازمة.

وقد تلجأ هيئات الإشراف إلى رفع نسب الملاءة ورأس المال، أو تحديد عدد الشركات المرخص لها في السوق، وذلك بهدف تحسين الخدمة والحفاظ على مهنية عالية في مزاولة صناعة التأمين.

 

مراقبة الأعمال والنتائج المالية:

قد يكون هذا الفصل هو الأوسع ضمن عمل هيئات الإشراف، والذي تنجم عنه التحديات الأكبر وخاصة فيما يتعلق بالتأمينات الطويلة الأمد. وتقوم هيئات الإشراف بإعداد نماذج التقارير المالية ومتطلبات رأس المال، وبتحليل التقارير التي ترفعها الشركات. ووفقاً لتطور السوق، ترتأي هيئات الإشراف توسيع مستوى الرقابة لتشمل في بعض الأحيان الموافقة على عمليات تسعير المنتجات التأمينية والشروط والأحكام العامة لعقود التأمين المباعة في السوق ومعاهدات إعادة التأمين وأنظمة الحوكمة وإدارة المخاطر.

 

التفعيل والتنفيذ:

في هذا المجال، تتخذ هيئات الإشراف الإجراءات والتدابير التصحيحية تحسباً لأي خلل في عمل السوق، أو لمراعاة حسن تطبيق القوانين والقرارات المرعية، أو استجابةً لتطورات معيّنة داخل السوق. ومن ثم، تقوم هيئات الإشراف بالتدخل لإيقاف عمل الشركات ذات الملاءة الضعيفة، والتحقيق في مخالفات النظام، والتحكيم، وفرض العقوبات والغرامات حيثما كان الأمر ضرورياً.

 

حماية المستهلك:

في أسواق الشرق الأوسط، تحتل حماية المستهلك حيزاً مهماً من نشاط هيئات الإشراف بالنسبة لكل فروع التأمين. وينسحب هذا الموضوع بشكل رئيسي على تأمينات الحياة وبرامج التقاعد بالنظر إلى ضبابيتها وصعوبة فهمها من قبل المستهلكين ومندوبي المبيعات على حدّ سواء.

وتأتي طرق وأساليب البيع المعتمدة اليوم بعيدة عن الشفافية المرجوة، وتبذل هيئات الإشراف جهوداً حثيثة بهدف تصميم وتحسين التشريعات التي تحمي المستهلك وتساعده في اختيار التأمينات المناسبة لحاجاته، ووضع خطط تعويض للمستهلكين لدى تعرضهم للاحتيال.

 

تقديم التقارير والمساءلة:

وأخيراً، تقوم هيئات الإشراف بإعداد المنشورات الدورية التي توفر لجمهور المستثمرين والمستهلكين معلومات ومؤشرات تتعلق بنمو وتطور قطاع التأمين وحسن أدائه. ويمكن استخدام هذه المنشورات لأغراض متنوعة، بما في ذلك وضع دراسات مقارنة بين الشركات الفردية ومعدلات القطاع، وتحليل القطاع من وجهة نظر المستثمرين الجدد بهدف تحفيز المشاركة في الشركات القائمة أو في إنشاء شركات جديدة.

إضافة إلى ذلك، تقوم هيئات الإشراف بالتنسيق بينها على المستويين الإقليمي والدولي من أجل تعزيز الاستقرار والثقة في الأسواق وتبادل الآراء بالنسبة للتجارب المشتركة والاستفادة من الخبرات الجديدة.

 

وبالنظر للمهام المنوطة بها، تعاني هيئات الإشراف في الشرق الأوسط نقصاً مهماً في الموارد البشرية والكوادر المؤهلة سواء لبناء فرق العمل الخاصة بها، أو داخل القطاع بشكل عام. ويمكن القول إن صناعة التأمين في الشرق الأوسط لاتزال صغيرة الحجم بالنسبة للقطاعات الاقتصادية الأخرى، ولا يتوقع الخبراء أن تبلغ حجماً مهماً قبل سنوات عديدة. والجدير بالذكر أن نشاط التأمين عموماً غير مفهوم في هذا الجزء من العالم. والواقع أن القطاع المصرفي، وهو يوازي أضعاف القطاع التأميني حجماً وإمكاناتٍ؛ يستقطب بشكل طبيعي أغلبية الكفاءات المحلية الملمّة بالعلوم الاقتصادية والمالية وصناعة الخدمات المالية بشكل عام.

 

ويأتي قطاع الوساطة التأمينية ليستقطب قسماً آخر من الكفاءات بما يمثله من إمكانيات ربح سريع، وخاصة أن هذا القطاع يعد أقرب إلى نشاط مبيعات منه إلى نشاط استشارة أو خدمات مالية، ما يزيل عنه المسؤولية المهنية المرتبطة بتقديم المشورة المالية. وعلى مر العقود الماضية، لم تتوضح الحدود بين قطاعي التأمين والوساطة المالية، وهي لاتزال غامضة إلى حد معين اليوم، إذ إن نسبة احتواء المخاطر تبقى ضئيلة بالمقارنة مع رأس المال المتوافر، حيث تقوم شركات التأمين إلى حدٍّ ما بدور وسيط إعادة التأمين.

 

والواقع أن النقص في الكفاءات حادٌّ بشكل خاص في مجالات التأمين على الحياة والتقاعد، ما يولّد مخاوف جدية بالنسبة لهيئات الإشراف والمساهمين والمستهلكين على حدّ سواء. وعليه، فإن فهم طبيعة نشاط هذا الفرع الذي تتحكم به أولويات الخصوم والمطالبات الطويلة الأمد، والعواقب المترتبة على القرارات الإستراتيجية والتكتيكية، يبقى حكراً على قلّة من القيمين عليه. وقد تؤدي المفاهيم الخاطئة إلى اتخاذ قرارات تسعير واعتماد سياسات استثمارية غير ملائمة أو حتى خطرة، وخاصة أن مفاعيلها قد لا تبدأ بالظهور إلا بعد سنين عديدة.

 

في المقابل، أدى النقص في الكوادر المؤهَّلة على مستوى هيئات الإشراف إلى اعتماد أساليب وتقنيات أقرب في الواقع لعمل مدققي الحسابات وتكرار لها. وعلاوةً على ذلك، فإن تطبيق المعايير الدولية يتقدم ببطء وصعوبة، مع غياب التعليمات التطبيقية الدقيقة التي تهدف لمساعدة القطاع في هذا المسار. وتلعب شركات التدقيق الكبرى دوراً إيجابياً في هذا الإطار، إلا أن هذه الحالة ليست معممة حيث يعتمد عدد كبير من الشركات على مدققين محليين يفتقرون للخبرة اللازمة في هذا المجال. أما القرارات الخاصة بهوامش الملاءة وهي الأساس في تقييم الوضع المالي الشركات، فتعتمد في معظم الأحيان الملاءة صيغاً مختصرة لا تعزز الشفافية. وباختصار، فإن هيئات الإشراف لا تملك اليوم صورة شفافة عن الأوضاع المالية للشركات والمخاطر الموجودة داخل المحافظ التأمينية والاستثماراتية؛ ومن ثم، فمن الصعب عليها اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لتقليص احتمالات الإفلاس أو التعثر.

 

ومن بين الخبراء النادر وجودهم في صناعة التأمين على الحياة والتقاعد، يمكن التركيز على الوكلاء أو مندوبي المبيعات، إضافة إلى خبراء الاكتتاب والخبراء الأكتواريين. ورغم وجود عدد من المبادرات، يسهم غياب التدريب الفني العالي على المستوى الجامعي في أزمة نقص الكفاءات. وقد بدأت بعض الجامعات والمعاهد توفير شهادات خاصة بصناعة التأمين إلا أن المناهج المعتمدة لاتزال دون المستوى المرجو.

 

وبغض النظر عن ندرة مندوبي مبيعات التأمين على الحياة ذوي الاختصاص والمؤهلات الكافيين، فإن معظم الشركات القائمة في المنطقة لم تستطع فرز قسم من وكلائها وتخصيصهم لبيع المنتجات التأمينية الخاصة بالحياة والادخار. وبطبيعة الحال، يفضل  العديد من مندوبي المبيعات ووكلاء التأمين فروع التأمين العام التي يسهل فهمها وبيعها. هذا فضلاً عن تأثير نظام العمولات في طريقة وأسلوب بيع المنتجات، حيث إن العمولات العالية في سنوات العقد الأولى غالباً ما تؤدي إلى عدم ثبات في المحفظة وخروج عدد عال من المؤمِّنين قبل انتهاء فترة العقد. هذا فضلاً عن المسائل الأخلاقية المقصودة وغير المقصودة المتعلقة بأساليب البيع التي لاتزال تنتظر المعالجة.

 

من ناحية أخرى، تواجه هيئات الإشراف على قطاع التأمين تحدياً مهماً يتمثل بضعف التنسيق بينها وبين الهيئات التنظيمية للقطاع المصرفي، وخاصة أن عدداً كبيراً من المصارف يملك شركات تأمين بشكل كلي أو جزئي.

 

وعلى الرغم من حجمه الصغير نسبياً، ونظراً لإمكانيات النمو العالية، يبدو قطاع التأمين على الحياة والتقاعد منذ الآن مملوءاً بالتحديات المثيرة، والتي نأمل أن تزيد من الطلب على الكفاءات والموارد البشرية المحلية وأن تجعل القطاع أكثر جاذبية للطلاب الجامعيين.

بقلم سميح سعدالله جحا

  • زميل الجمعية الأميركية للأكتواريين
  • زميل ندوة الأكتواريين الاستشاريين